Year: 2020

كرسي محمود درويش الجامعي من اوروبا الى لبنان واميركا

لوداع محمود درويش هذا العام وهو يعبر الذكرى الثانية عشرة مع التاسع من آب معنى آخر ؛

فالعالم
الذي ترددت في أرجائه قيم فلسطين انتصارا للانسان والعدالة ، هذا العالم
قد اقفل خلف بوابة COVID 19 لعله يجدد ولادته بهوية اخلاقية جديدة.

في فلسطين اعلان جديد لانتصار الدم على السيف ولا انكسار في مواجهة
طاغوت الموت المستمر وكل المشروع الجهنمي لتغيير المعادلات والهوية.

اما
بيروت محمود درويش فتحول كارثتها نفيرا لايقاظ الضمير العالمي من تحت
تراكمات المؤامرات الخارجية وعهر الدجالين المتربصين بخيرات بلاد الخير،
والمتطوعين لدى طاغية متربع على عرش التفتيت والتفكيك والتخلف.

وهل نحلم بأن يطيح الانفجار الكارثة بأمبراطورية الفساد!!

على
معمودية الدم مع مئات الشهداء وآلاف الجرحى تتهادى اجفان العروس المنهكة
بالدمار والاسى والوجع في احضان القصيدة هربا الى موعد جديد، مع ترنيمة حب
وهوى لشاعر يأبى الرحيل:

“لَم أسمع دمي من قبلُ ينطقُ باسم عاشقةٍ تنام على دمي …..وتنامُ…

مِنْ
مَطَرٍ على البحر اكتشفنا الاسم , من طعم الخريف وبرتقال القادمين من
الجنوب , كأنَّنا أسلافُنا نأتي إلى بيروتَ كي نأتي إلى بيروتَ…

من
مَطَرٍ بَنَيْنا كوخنا , والرِيحُ لا تجري فلا نجري ’ كأنَّ الريح مسمارٌ
على الصلصال ’ تحفر قبونا فننام مثل النمل في القبو الصغير

كأننا كنا نُغَنِّي خلسةً :

بيروتُ خيمتُنا

بيروتُ نَجْمتُنا

سبايا نحن في الزمان الرخو

أَسْلَمَنا الغزاةُ إلى أهالينا

فما كدنا نعضُّ الأرضَ حتى انقضَّ حامينا

على الأعراس والذكرى فوزَّعنا أغانينا على الحُرّاس

مِنْ ملكٍ على عرشٍ

إلى ملك على نعشٍ

سبايا نحن في هذا الزمان الرخو

لَمْ نعثر شَبَهٍ نهائيِّ سوى دمنا

ولم نعثر على ما يجعلُ السلطانَ شعبياً

ولم نعثر على ما يجعل السَّجانَ وديّا

ولم نعثر على شيء يَدُلُّ على هويتنا

سوى دمنا الذي يتسلَّق الجدران….”

وللكتابة من
بيروت عن محمود درويش عمقه الشاهق ؛ فمحمود هو الجدارية التي تلفح بأنسها
الاسطوري نبض الفينيق وسكينة الانسياب في جلباب الموت الذي يصارع انتظار
اليأس لقيامة الساعة في الفلق العابر للحدود متقمصا حضورا انسانيا لافتا
يليق ببيروت والهوية الخاصة للعلاقة بين الشاعر والمدينة ؛

وهي ليست
المرة الاولى ولن تكون الاخيرة لتزاوج عشق بيروت بالعالمية والهيام
الانساني العام برسالة بيروت التي قد تنزف، قد تئن وجعا ، قد تتضور جوعا ،
قد تتهدم لكنها متمردة على الموت: والموت لجلاديها ، وللعهر الآخذ استئثارا
بالحاجة الدولية لبيروت.

نكتب لمحمود درويش من بيروت
العاشقة الحبيبة في حضرة الادب الرسالة المتلألئة على كرسي لمجد العطاء
الانساني والحلم المتوهج بمعنى الحياة ، وفي الحلم لهذه السنة بعد دولي آخر
مع كرسي محمود درويش عبر الرمزية الخاصة لكرسي محمود درويش في جامعة ،
واحدة من اهم الجامعات الاميركية ,جامعة براون في رود آيلند التي تشكل
تحولا في اختراق ثقافة فلسطين القضية لجدار التمييز والانحياز ؛

وهي
مبادرة تكمل اول تدشين لكرسي محمود في جامعة بروكسل العام ٢٠١٦ في قصر
الفنون في العاصمة البلجيكية بمبادرة جامعة بروكسل الحرة وجامعة لوڤان
الكاثوليكية.

وتعطي المبادرتان اهمية لمبادرة الجامعة الحديثة
للادارة والعلوم MUBS في انشاء كرسي محمود درويش والاعلان عنه في احتفالية
معبرة في قصر الاونيسكو العام ٢٠١٨ بمشاركة لبنانية فلسطينية جامعة مع
مؤسسة محمود درويش والسفير الفلسطيني في لبنان، برعاية وزير الثقافة آنذاك
د. غطاس خوري ؛وهي تتطور برعاية لجنة من لبنان وفلسطين تؤشر لبصمة في
الثقافة والنضال.

نتقاسم تجربة الكرسي العابر للقارات مع اولئك الذين
يصرون على التماهي مع هوية الانتصار بالمعنى وبحقيقة الانسان وحقوقه
المتجلية في فلسطين ،وفي الانتصار على الظلم ومواجهة نيران الحقد والقتل
بالصدور العارية.

ونبحر من حقيقة تطاول عليها حاقدون او متزلفون للمس
بجوهر الرحلة الدرويشية حيث حاولوا بتر الحقيقة الانسانية عن بعدها
الانساني او انكروا لفلسطين فتكها بالمعايير التي صنعتها اتفاقيات من حكام
لجدران السجن العربي ولدروب الدم في غزة ويافا والقدس تحت اقواس النكبة .

نتقاسم
تجربة محمود درويش عبر كرسي جامعي في محاولة للاجابة على سؤال حول كيف
ستفكر بِنَا الاجيال القادمة وهي تقرأ فلسطين الايقونة المفخخة بكل
المؤمرات الدولية الحاقدة والتي تواجه بمفردها اسقاطات قرون من الذل
والهوان والهزيمة ، كيف ستفهم هذه الاجيال بيروت القرن العشرين وبدايات
القرن الواحد والعشرين مع شهرتها المدوية هذه المرة ،ليس من باب ابداعها
المعتاد وريادتها الحضارية، بل من باب كارثتها في احد اضخم انفجارات
التاريخ .

امام هذه الفئات وتلك نضع على بوابة احلامنا
كرسيا لحلم ظل يصدح من فلسطين الى بيروت الى ارجاء العالم ناحية ناحية ؛
ولا بد من تحية لجامعة براون من رؤية عربية تمر بالعمق الانساني المتجسد في
كرسي محمود درويش في جامعة بروكسل الحرة وجامعة لوڤان الكاثوليكية.

فها
هنا يتحفز الدافع مجددا الى تطعيم الحقل الثقافي المترنح على ضفاف
الشكليات الثقافوية المبتورة في ازقة السوشال ميديا مطعما بنورانية من
محمود درويش تضيء سبيلا الى امل بغد افضل ؛

فالكرسي الجامعي في
ابعاده المتنوعة هي تجرية تطورت عالميا لاعطاء الشخصية الثقافية الملتزمة
للمخرجات التعليمية وللعملية البحثية المرتبطة بالتعليم الجامعي .

وقد
اثبتت التجربة اهميتها في اعادة تموضع مؤسسات التعليم العالي في الهم
الانساني عبر الكنوز الادبية والفنيه ؛ ولا يخفى ان تخليد اسماء كواكب في
مجالات متنوعة هو فتح مسارات معرفية للاجيال ؛ وهنا لا بد من الاشارة الى
ان الانقلاب الذي حققه محمود درويش في القصيدة الحديثة شكلا ومضمونا هو
مركب الى الغوص في مرحلة من التحولات تتجاوز حدود الشعر الى الادب واللغة
والانثروبولوجيا لتشكل رصدا لمرحلة حساسة في تاريخنا .

لذلك فإن وضع
تجربة درويش على منصة الصروح الجامعية يفتح على روائع الشعر الفلسطيني
واعلامه الذين لا تنطفئ شعلتهم من امثال سميح القاسم وفدوى طوقان ومعين
بسيسو ،وغيرهم ،

وامتدادا الى شعراء تفاعل معهم شاعرنا فتأثر وأثر بما يوفر ينبوعا لنروي ظمأنا من الشعر العالمي .

تجربة
كرسي محمود درويش في عدد محدود من الجامعات هي مفتاح للدعوة الى تعميم
التجربة وتطويرها عبر الابحاث والانشطة والمناهج.وهي دعوة للتلاقي في حضرة
الابداع الثوري المتجاوز لمخالب الطائفية والعشائرية والانغلاق.

والمسؤولية
تقع على عاتق الهيئات والفاعليات والشخصيات التي تلمع في عقلها الاخلاقي
انوار الحضارة وتشع في روحها مشاعل الحرية والانتصار

للانسان المتجاوز لهاوية الانكسار المنتصر بطهارة الدم البريء على اغلال العبودية ونتانة الفساد المتجذر في روح الذل والانهزامية.

د. حاتم علامي*

رئيس مجلس امناء جامعة MUBS

الرابط الأساسي للمقال : https://www.nidaalwatan.com/article/27407-كرسي-محمود-درويش-الجامعي-من-اوروبا-الى-لبنان-واميركا


الاخلاق والسياسة – المجال اللبناني في السؤال

ليس الحديث في السياسة والأخلاق بالموضوع الجديد؛ فقد شغلت الثنائية اهتمام الفكر عبر العصور من قبيل الاهتمام بمعادلة قرينة للخلق ومتزاوجة مع إدارة شؤونه في بذور الجمعية البشرية.
تشكل الفلسفة اليونانية مفتاحاً لدخول عالم السياسة والأخلاق والتحرك في مسارب الرؤى الإنسانية لبلورة الفضيلة في سلوكيات السلطة المولجة شؤون التدبير في خدمة حاجة الانسان الى التموضع في المساق الجمعي ترجمة لانبثاق فردانيته في توليفة اجتماعية.

ثنائية الاخلاق والسياسة عقدة مسكونة بالالغاز باعتبارها ترميز لرحلة البحث في الوظيفة المهنية للأخلاق وفي ديناميات السياسة بكل نوازعها التي تنصهر فيها روح إرادة الإرادات في فرضية “هيغل” مع العنف المحايث للسلطة باعتباره رديفاً لضرورات الضبط والتوجيه.

لقد اتضحت مع تطور النموذج السياسي في إدارة الحكم مجموعة من الحقائق التي هزت علاقة السياسة بالأخلاق؛ وشكلت الحروب والحروب الأهلية بالتحديد، والنزاعات العرقية والاثنية صدمة للفكر الأخلاقي وفرضيات المثالية التي مثلت الصورة العقلانية لقيام الدولة ضمن مثلث الجماعة والأرض والسيادة؛ ولقد أعطت محطات مزلزلة في تاريخ البشرية صوراً متمايزة للعلاقة، نذكر منها الثورة الفرنسية، وثورة مارتن لوثر كينغ، وثورة غاندي والثورة البلشفية، وتجربة النازية مع هتلر، الى كل الحروب والنزاعات التي يؤسف لاستمرارها بطرق مخزية.

في راهنية العلاقة نميز صورتين في مشهدية التطور:
١- الثنائية على المستوى الغربي بالمعنى المتداول، حيث تعتلي الفلسفة مسرح البحث في العلاقة وقد سطرت لهذه العلاقة المذاهب الفلسفية عبر الفلسفات الرواقية، لتستقر مع انقلاب نوعي عبر الفلسفة اليونانية وافكار أفلاطون وأرسطو في الاخلاق والسياسة، الى فلسفة كانط في القانون الاخلاقي وصولاً الى انفتاح ميدان البحث لمباحث في طبيعة الحكم والسلطة التي بلغ البحث فيها مستوى جديداً مع ميشال فوكو حيث التوسع في ميدان السلطة وتقنيات العنف والحجر الى التمأسس خارج مدار السلطة التقليدية.
من المعروف ان امير ميكيافيلي حط بقوة على فراش العلاقة وقد حل كتابه ليرافق هتلر وغيره من السياسين في بحثهم عن غاية تبرر الوسيلة، وقد تجاوزت شهرة الكتاب الى المدى العالمي، دون ان يتم النقاش في مندرجات الرؤية الميكيافيلية من كل جوانبها.
يدور الاهتمام هنا حول قضايا الديمقراطية والتناوب على السلطة وحقوق الانسان والمجتمع المدني.

٢- على المستوى الشرق أوسطي؛ للشرق الأوسط حقائقه الخاصة وفي صميم الخصوصية تشكل علاقة الثنائية لغزاً خفيا، نعتقد ان مفاتيحه قد أودعت في جينالوجيا؛ أي علم جينات العقل الاخلاقي؛ وكذلك في بنية السوسيولوجيا وفي واجهتها قضية الدين وعلاقته بالسياسة.

وفي السياق يأتي النموذج اللبناني ليستفيض بالرموز والألغاز حيث تصل إمكانية تفكيك العلاقة بين السياسة والأخلاق الى حد الاستحالة.

من هنا فإن التعمق الذي ذهبنا اليه في مكنونات الاخلاق عبر مقالاتنا السابقة، او من خلال الكتاب الذي يصدر خلال أيام ” الاخلاق، الإرادة، والقدر؛ ويتناول حرب الهويات من زاوية اخلاقية”؛ دعوة لمشاركة المثقف اللبناني أهمية موضوع الاخلاق، ونحن بذلك ندعو الى الاستفادة من تحليل نموذج العلاقة في لبنان املاً ببلوغ أدوات معرفية تخدم مجال البحث، وتضيء الطريق للخروج من شرنقة الهيمنة والسيطرة والتهام حرية الناس، وحقهم بالحياة الكريمة؛ لا سيما ان تهالك هذه الحقوق بات مرتبطاً بسياسات التجويع والإمساك برقاب الناس والاحتفاظ بخياراتهم في جيب هذا الزعيم او ذاك.

حملت الانتفاضة تباشير للحرية لكنها عرضة للتمحيص والتدقيق، وهي أمام تحد مصيري، يبدأ بصوغ خطة وترسيخ خطاب الثورة المنشودة. حيث يدور الاهتمام المقارن هنا بين حركة الشارع والزعيم، وتجديد الاهتمام والبحث عن الاستمرارية في خلق معادلة جديدة ضمانة للاستقرار المتوازن مع مستوى التصعيد وكمنطلق لتحقيق التغيير.

تتناول عملية التفكيك عناصر التركيبة ضمن النسيج الايديولوجي الذي يصل الى أقصى تجلياته من اختراع التزاوج بين السياسة والأخلاق الى الانقلاب على السياسة الاخلاقية او الاخلاقية السياسية، مع خيارات خاصة بموجبات الإخضاع لارادة ثقافة السيطرة عبر خلق الانسان المؤدلج في نموذج “الانسان الاشتراكي” مع النموذج الستاليني او “الانسان الرأسمالي” في النظام الرأسمالي، او خلق الهوية المذهبية في مساقات الاصطفاف ومنع قيام العدالة تحت شعارات الولاء والالتزامات الدينية، والخضوع للمطلقات العمياء والتعصب.

من هنا نتناول التركيبة في محاور ثلاثة، من خلال: الانسان في تمظهره كتابع او كمفعول او كموضوع؛ في مقابل المتبوع، او، الموجه، او القائد او الزعيم؛ وصولاً الى صيغة العلاقة او النظام او الآليات توصيفاً للمعنى وترجمة الانتماءات في كافة مسمياتها الوطنية او الطائفية والمذهبية، والقبلية والعشائرية والعائلية والفردية.

أ-نتناول في الباب الأول الفرد كشريك في العلاقة الشائكة بين خياراته الاخلاقية وتموضعه في العلاقة مع سلطة التوجيه والإخضاع. وهنا نتناول الفرد بصفته مسؤولاً عن التزاماته ويتحمل مسؤولية العلاقة السلبية المتمادية بين الاخلاق والسياسة.
الانسان بهذا الصدد هو من يكرس حق الانحرافات السياسية عن الالتزام الاخلاقي من خلال التضحية بمفاهيمه وكرامته الشخصية ضمن ايديولوجيا تطمس قدرته على التمييز؛ لكنها تبريرية ممنهجة في مواجهة العقل النقدي، والاستعداد لضريبة الحرية التي تنتصب مع تجربة سقراط كل الثوار على الظلم، حيث يعتمد تصويب الموقف على معيار معتمد ومرجعية للمعنى.

ب- الفاعل في السقوط الاخلاقي مع سلوك متفنن بمهارات الإخضاع بكل الأساليب، والكاريزما المتأصلة في النموذج للبطولة والفراسة؛ والصورة هي تظهير لمرحلة تحمل معها ضرورات الإخضاع شرطاً لتحويل القرار الى نفوذ قوة للتنفيذ، الحد الفاصل بين مصلحة الجماعة والأنانية السلطوية تخضع لمنظومة من العلاقات السياسية والاقتصادية والسوسيوثقافية.

لا خلاف حول حاجة القيادة الى مفاهيم كالثقافة وسعة الحيلة والقدرة على اتخاذ القرار والفاعلية التواصلية؛ لكنها مزايا تتصل بصفات المكر وغالباً التظليل عبر ما يتصف بدور الثعلب في السياسة حسب ميكيافيلي لتتجاوز كل الحدود في الممارسة، وهو الوجه الأول لاختلال علاقة السياسة الملتهمة للسلطة بأخلاقيات التحكم والنرجسية، في حين يشكل العجز الإنساني المستحكم بالشخصية الإنسانية هو الوجه الآخر للتمادي في السقوط. ويشكل تموضع التدين خلف التبعية للسلطة بإسم الدين، على حساب جوهر الدين والإيمان الوجه الأكثر خطورة للتبعية العمياء او للتضحية بنعمة الحياة خدمة لأيديولوجيا العداء للآخر والتعصب الأعمى.

لقد عرف لبنان زعماء ورجال دين يفخر الوطن بتطلع بعضهم الى تجاوز البغضاء الطائفية والى ترفع البعض الآخر الى مرتقى السمو والمحبة ربما كان لهؤلاء علينا حق الالتزام بالتغيير.

ج-تختزل منظومة العلاقة بين الحاكم والمحكوم، او التابع والمتبوع عناصر البيئة التي تنشأ فيها العلاقة وتفعل دينامياته؛ ففي لبنان تتجذر السلوكيات الاخلاقية السياسية في الأرضية التي قامت عليها الصيغة اللبنانية عبر التاريخ؛ وهي التي تتغذى من الصراعات المذهبية والمصالح الفىئوية والمصالح الشخصية والتعصب والفساد.
لقد كرس النظام هذه الخصائص قبل الحروب وفي أثنائها وفي ما بعدها، وقد جاءت التشريعات والأنظمة عن سابق تصور وتصميم لتكريس توازنات مدمرة.
من المهم التوقف عند هذه المحطة أمام الفاعلية الاخلاقية التي لا تهدأ ولا تستكين، والتي يعبر عنها في التجارب الثورية والقيادات التي يخلد التاريخ أسماءها، التعبير عن الدينامكية التطورية للأخلاق هو انفعال بالإرادة الحرة كما يصفها شوبنهاور، او كما يتطرق اليها “إسبينوزا” في مذهبه التربوي او في مصالحة بول ريكور ما بين الإرادة والعقل؛ مع ان الثورة النيتشوية العارمة في إرادة الاقتدار تشكل رافعة لتصحيح العلاقة بين الاخلاق وجوهرها الإرادة الإنسانية المتحفزة للضبط والتحسين والثورة مقابل السياسة في انحرافها عن سكة الخدمة العامة وتكريس الجهود لرفعة المجتمع والإنسان والاتجاه الى التسلط والاستبداد واستغلال السلطة.
تتموضع العلاقة بين الاخلاق والسياسة في سيرورة ثلاثية الأبعاد؛ وهي علاقة تنحو فيها السياسة في التعاطي مع تحديات تطبيق القوانين واحكام السيطرة الى ممارسات تتجاوز الغايات التي نشأت من اجلها وتقع في محظور الانفلات على الضوابط الاخلاقية وسط المجابهة مع محاولات المساس بها وبهيبتها. لذلك تبرز الحرية كمعيار ورابط بين القيمة والواجب والمسؤولية.

نتعامل مع الثلاثية انطلاقاً من نقطة ارتكاز المنظومة القيمية لفهم الأحكام الاعتبارية التي تختلف بين مجتمع وآخر؛ حيث تتمحور المفاهيم الاخلاقية حول المعتقدات والتقاليد التي تؤسس للمعايير الاخلاقية في علاقات الحكم في الموالاة او المعارضة؛ ومن المعروف ان الانسياق في التسليم بالأمر الواقع هو جزء من الثقافة العامة في العلاقة بالمرجعيات.

ولا يختلف الأمر في محور المرجعيات بالنسبة الى صياغة نظام للعلاقات يمسك بناصية الثقافة الاعتبارية وبجسدها في خطاب تعبوي لعلاقة عضوية بين تكريس مرجعيته وحجة صالح الجماعة ومصيرها. مما فاقم التبعيات في ظل الدويلات والجزر السياسية على حساب الدولة.

في السلوكيات تبدو ممارسة الأدوار مرآة لأصل العلاقة حيث التربع على عرش السلطة رافد من روافد ديمومة النظام خارج مشيئة الناخب؛ كما ان الفجوة تعبر عن انسلاخ وجوه جديدة عن المجتمع وهمومه فيترحم الشعب على وجوه مضت وكم من حديث نعمة شاهد على ذلك.

في المحور الثالث يبدو الترابط واضحاً بين القيم المعيارية لثقافة الخضوع وتمادي سلطوية فردانية الزعامة مكللة بتاج الدفاع عن الوطن والطائفة والعشيرة والعائلة؛ أما منظومة الحكم في ابعادها السياسية والاقتصادية والثقافية فقد تطورت في مسار يخدم العلاقة المأزومة بين الاخلاق والسياسة؛ وذلك في ترجمة لدورة متكاملة من فعل الفحش السياسي في الاغتراب الخلقي المتهالك بين احباط الانسان وشرعنة التحكم به ورفع راية الأيديولوجيا المضللة.

أمام المشهد المريع للواقع اللبناني نستعيد صوراً إيجابية في الخصوصية اللبنانية، وتحديداً زخم الإبداع والتميز في التربية والتعليم، والبعد الثقافي على مر العصور، وهو النقيض للسقوط الذي وصل مع الخيبة الاخلاقية الى الهاوية.

من الصعب ان ننتظر انتصار زعامات تهاوت في درك المذهبية والمصالح على ذاتها وعلى تاريخها، لكن ليس من المستحيل ان تهز الحقيقة اللبنانية الإنسانية ضميراً مخفياً او تولد ندرة من قيادات لالتقاط مبادرة الاخلاقية السياسية عبر عقل منفتح وارادة لصفوة الرجال الذين هم أعلام في العلم والبحث والتقوى والانفتاح وروحية الحوار. نختم بالقول ان الاخلاق حقيقة إنسانية متجهة للخير والتسامي، والسياسة ما لم تتجاوز الأفعال الشريرة الى الخير العام فهي بلاء للحكام ومصير اسود للوطن ومستقبله.

د. حاتم علامي

الكورونا وإعادة هندسة الهوية الاخلاقية



يمثل مفهوم الهوية الاخلاقية مرجعاً للتعرف الى المنظومة القيمية لتحديد المعايير والأحكام الاعتبارية في استكشاف الانسان لداخلنيته، ولإعادة تواصليته في المنظومة الاجتماعية التواصلية مع الآخر ضمن فاعلية القيم المشتركة .

طرحت المواجهة مع الكورونا استحقاقات جديدة على اشكاليات الهوية؛ يمكن التوقف عندها على مستويات عدة في مقاربة المرحلة من خلال اثرها على صعيد المرحلة الانتقالية، أو بالتلازم مع اتجاهات المرحلة اللاحقة والمؤشرات؛

١. الهوية الاخلاقية على المستوى الفردي هي ترجمة لمعنى الذات، كما ورد في المعجم الوجيز؛ والدلالة الذاتية للهوية تعني الإحساس بالانتماء الى منظومة راسخة تعطي للفرد خصائص متفردة؛ والهوية في المعجم الوسيط هي حقيقة الشيء .
والهوية في قيمتها الفردانية تتصل اتصالا عضويا بالوعي الجماعي؛ ذلك ان تكون الشخصية الفردية لا يتم بمعزل عن الانتماء الى جماعة. الا ان التحدي هنا يتمثل في الفصل بين القيمية المشتركة للجماعة والحرية الفردية، والبحث في حساسية التوازن بين الحرية الفردية والانتظام العام.

 ٢. وانطلاقا من المستوى الفردي وتجليه في الانتماء الجماعي، يطرح موضوع البنية السوسيوثقافية؛ فإذا كان الانسان يتجه بالفطرة الى الانخراط في الحياة الاجتماعية فإن النظام كضرورة لتنظيم حياة المجتمع شكل مفهوماً متبدلاً للدلالة على الخصائص في كل نظام.
ان تعقيدات الحياة الاجتماعية، وتطور الظاهرة السياسية بالتلازم مع نظام اقتصادي متجاوز للتوجهات التي أسست لخيارات الجمعية يثير عدة أزمات تتصل بالسياسة والاقتصاد والقانون.

نشير في هذا السياق الى الاختلافات بين البنى الاجتماعية وانظمتها السياسية.
وتتمثل ابرز عناصر البنية بالعوامل الديمغرافية والتوزيع السكاني على صعيد العمر والجنس والانتماء العرقي والديني.
تشغل المسألة الدينية مركز الصدارة في تأثيرهاعلى الهوية؛ على ان هذه المسألة في جوهرها الإنساني الثقافي تتجاوز حدود الممارسات العصبية والانغلاق؛ حيث نشير الى ان بصمة الانفتاح الديني والإبداع الايماني تجلت في عصر النهضة مع إسهامات مسيحية وإسلامية في بلورة اروع صورة للفكر الإنساني؛ وهذه الحقيقة مدعاة لدراسة علاقة الهوية الاخلاقية بالسياسة وبهوية الدولة الاخلاقية.

الى تأثير العوامل الدينية فإن مجموعة من المحددات الاجتماعية تلعب دوراً متقدماً في الهوية الاخلاقية على صعيد الفرد والمنظومة القيمية ودور الدولة؛ فموضوع المعايير القيمية للهوية الجمعية يتجلى في الأسرة والعلاقات الأسرية؛ وقد تطور دور المجتمع المدني ليشكل سمة من سمات العلاقات بين مستويات الهوية؛ لتتآلف هذه المقومات في تحديد توجهات الدولة وعلاقتها بالأخلاق.
 
٣. شغلت مسألة هوية الدولة الفلسفة قبل تطور التشريعات؛ وشكل المنطلق اليوناني للهوية الاخلاقية مرتكزاً للهوية الاخلاقية، للدولة، حيث يرى عدد من الفلاسفة وفي مقدمهم سقراط وأفلاطون انه لكي تعرف الخير لا بد ان تفعله؛ لذلك كان الاهتمام بالجانب التطبيقي للأخلاق.

وإذا كان أرسطو قد حدد هدف علم الأخلاق بتنظيم الحياة الإنسانية، حيث غاية الانسان هي الخير الأعظم؛ الا ان عدداً من المفكرين وفي مقدمهم ميكيافيلي قد نظروا الى الدولة بمعزل عن الاخلاق حيث الغاية تبرر الوسيلة، وقد شكل كتابه الأمير رفيقاً للاستبداد كما ظهر ذلك مع هتلر.

اشتهرت مع هيغل النظرة القائمة على تبرير حق الدولة بالقضاء بالعنف والقوة على النزوات الفردية ممجداً نظرية الدولة المطلقة. اما كانط فقد عمل في كتابه “مشروع السلام الدائم” على مقولة ان ان الحياة السياسية داخل المجتمع الواحد وخارجه يجب ان تقوم  على العدل والمساواة.

يستند مفهوم الدولة الاخلاقية الى المبادئ التي تطورت مع الاكسيولوجيا أو مبحث القيم المتجلية في قيم الحق والخير والجمال؛ نميز في هذا الصدد المعايير القيمية لقياس طبيعة الدولة الاخلاقية. لقد فشلت مشاريع الدولة في احقاق مبادئ العدالة والمساواة؛ وتحتل معدلات الفساد والإخلال بالقانون والانحرافات السلطوية قرينة على الانسلاخ بين الشعارات التي قامت عليها الدول وممارساتها السلطوية، فهي على مستوى الدول التي تدعي الديمقراطية أنظمة سياسية اوليغارشية في خدمة اقتصادات غير اخلاقية في معظم استغلالها للنفوذ والسيطرة؛ وهي في واقع الدول النامية مشاريع لبناء الدولة خاضعة لتوازنات داخلية فئوية ولتبعية لمراكز السيطرة الدولية على حساب مصالحها القومية.
وقد تفاقم موضوع السلطوية من خلال توسع حدود استراتيجية للسلطة؛ حيث لا تنضبط بما هو سياسي، بل تتجاوز حيز السياسي وتخومه، حسب تعبير ميشال فوكو في ميكرو السلطة؛

وقد جاءت فترة العولمة لتفاقم من مخاطر تشوه الهوية الاخلاقية للسلطة المتحكمة بالقرارات، فهي قرارات تعبر عن اختلالات داخلية تتوزع بين مواجهة الاستحقاقات الداخلية على صعيد المجتمع؛ ولا سيما في المجتمعات التعددية؛ وكذلك في مواجهة منظومة العلاقات الدولية التي أسست لعصر من الإشكاليات الهوياتية واضطراب المعايير والضياع.

٤. الهوية الاخلاقية ازاء العولمة والهوية الكونية: ينطلق الجواب من السؤال عما اذا كان بالإمكان الحديث عن قيم إنسانية مشتركة؛ أم ان الحديث هو مجرد ضرب من الخيال.
ينبغي التمييز على هذا الصعيد بين الأخلاق الفطرية التي تتصل بالخيارات العامة المتصلة بالضمير الأخلاقي واحترام الحياة؛ في مقابل الاخلاق المكتسبة التي تطورت ضمن المعتقدات والقيم والتقاليد الجديدة وعكست القيم الاعتبارية في علاقتها بالتكنولوجيا وحقوق الانسان وحق الاختلاف.
تتجلى هنا مجموعة من الفروقات على صعيد التشريعات وعلى الصعد العملية المتصلة بالدولة والمجتمع؛ يذكر هنا عدد من المسائل الخاصة بالخيارات الطبية، دور المرأة، وحريةالتعبير، وقضايا تفسر بطرق متعارضة كموضوع الزواج والمثلية والإرث وغيرها.

أليس من اللافت ان الكرة الأرضية التي تواجه متضامنة معنويا الهجوم الوبائي لا يرف لها جفن ازاء الحروب وتداعياتها، والمواجهات العنصرية وأعمال القتل والدمار والتعصب في العالم؛
والعالم بهذا المعنى أمام استحقاق مصيري وفرصة ذهبية لتحويل التحدي الى مسلك اخلاقي في منظومة تضع حداً للجوع والفقر قبل سقوط الهيكل على رأس الجميع.

مع عصر الكورونا وإغلاق الحدود تنتعش النقاشات حول اعادة هندسة الهوية الاخلاقية، لقد حركت الممارسات على المستوى القومي مشاعر الحنين الى الانتماء الما قبلي للتطور المشوه؛ وجاء الحديث عن التنمر وفتح ارشيف الهويات لايقاض رغبة في البحث عن الهوية؛ يفرض الحنين الى الدولة والجماعة تحديات جديدة من اجل التعامل بعقل منفتح وارادة مسؤولة، بما يؤسس لقيم إنسانية فيكون “خليك بالبيت” تحضيراً لتجاوز العزلة الى هوية جديدة مرتكزة الى المعرفة وروح التضامن.

Covid-19 : الجشع في جنازة العدالة


Covid-19: الجشع في جنازة العدالة

كورونا على مدى الكرة الارضية، الخوف الجاثم لا يوفر بقعة جغرافية او مجتمعاً من المجتمعات حيث الجميع في دائرة الخطر، وامام استحقاق المواجهة. فإن مشاعر الهلع في أوج الترقب لتحول مصيري، ومقامات كبيرة قلما كانت على تماس مع نتائج هذا التحول هي الان عرضة للمواجهة في قراراتها وفي سلوكياتها وفي مصيرها. ولا سيما على مستوى قيادات العالم في اكثر الدول تقدمًا.

في تجاوز الوباء لكل المحاذير والاعتبارات المعهودة مفارقة برزت مع شيوع الوباء ليهز المحرمات في النظام العالمي  مع التوازنات التي تتحكم بها توجهات واضحة الدلالة والمعاني، حيث يغيب طيف العدالة وصوابية الموقف لمصلحة التعسف والجشع الفردي. ليس من السهل هنا التمييز بين ميدان الرفاهية المستفيضة بالنسبة الى فئات قليلة في كل مجتمع من حيث نمط الحياة، ووفر الوسائل والخيارات التي تتجاوز كل الصور الخيالية والافتراضية؛ وليس العالم بصدد محاكمة هذه الفئات وليس هنا مجال التعامل معها .

لكن ما يمس قضية  التعامل مع  التزامات  الضرورات العلاجية والمعيشية كأولويات في المجتمعات  تواجه نموذجا مجردًا  من  العدل والمساواة على يد الجشع المادي وآلياته. السؤال ليس سوى وقفة مع الأمل بأن يستعيد العالم وعيه لوقف عبثية الحروب والأطماع وتوظيف الحد الأدنى من خيراته في خدمة الانسان ومعالجة مشاكله. فهل تؤثر المرحلة في استنهاض الموضوعية والاستفادة من التجربة التاريخية في ظل احتدام الصراع بين الارادات؟ على امل ان تحمل النتيجة في طياتها  عناصر للتغيير والتبدل.

 Covid-19 في هجوم من نوع جديد وقوة صدمته زلزال في البنية الكونية: البنية الاجتماعية التي تختلف تبعًا لتركيبة المجتمعات، بدء من المنظومة الكونية لنظام العولمة في اوجهها المختلفة؛
وهو زلزال على صعيد المسألة الاخلاقية وصدمة ارتدادية في مجمل العلاقات البينية  لكل الترسيمات التي ارتبطت بعصر الحداثة وإسقاط العولمة.

بين الازمة الاقتصادية والهلع ارتباطات مجلية في ردة فعل المنظومة الدولية، وفي قرارات التعامل من لدن مراكز القرار على المستوى الدولي وبالنسبة الى الواقع المحلي على مستوى كل دولة على حدة .
نظرة سريعة في تداعيات الكارثة الصحية بصدد السؤال الاخلاقي في زمن الكورونا :
 1-صيرورة السلوك البشري في مواجهة التحدي وهي مسألة ترتبط بما توصلت اليه المجتمعات في نمط الحياة الذي تعيشه، مما يستلزم وجوب تحليل الاولويات التي تصدرت اهتمام المجتمعات ولا سيما منها توجهات القيمين على ادارة هذه المجتمعات، ووعي المجتمع والإنسان للانفتاح على التأقلم مع الظروف المستجدة، نعطي مثالا هنا اولوية الخطط الرسمية ورفع مستوى الوعي عند المجتمع وفي السلوكيات الفردية. نشير الى ان موضوع حقوق الانسان في الصحة والتعليم والرفاه الاجتماعي لايزال موضوع تجاذب وهو ما يبدو من خلال التساؤل حول حصة الفرد ونصيبه من مجمل الميزانيات الموجودة في العالم التي تتركز على الحروب والنزاعات على المستويات الدولية والاقليمية والمحلية. تحت تأثير التقسيم الدولي، وتكريس منظومة مجحفة من اجل التحكم، والاستبداد وخضوع خيرات العالم لاستنزاف الموارد البشرية لمصلحة النظام الدولي وشركاته العابرة للقارات.
السؤال الآن اين هي هذه الشركات في حين يتحدث العالم عن ندرة الموارد لتأمين مقومات وأجهزة المواجهة مع انتشار الفيروس، او تأمين الحد الادنى من من موجبات الحجر الالزامي.

 2- المنظومة القيمية التي تنطوي عليها الأحكام المعيارية المتضمنة لكل المعتقدات والتقاليد، ومدى تطابقها مع شروط توفير الحد الادنى من المفاهيم اللازمة لترسيخ الارادة الحرة الواعية وتوظيفها  في ضبط سلوكيات المواجهة.
ستكون هذه الارادة امام تحد تاريخي يتوقف على مؤداه مصير التناسق وانسجام الناس مع قناعاتهم الفردية والمفاهيم الاجتماعية ، اي انبثاق الذات المدركة لمسؤوليتها في مواجهة الأزمة باتزان وشجاعة .

 3- اتصالا نحن امام التحدي الخاص بنظام العلاقات الاجتماعية، ونحن هنا ازاء بنية تتداخل فيها العناصر الثقافية، والمعاني القيمية في النظام الاجتماعي في صيغ الانتماء والهوية بالنسبة الى المستوى القبلي والعائلي والمديني والريفي، ويمثل هذا المؤشر مقياسًا لفهم نتائج طريقة التواصل الحالي عن بعد على التماسك الاجتماعي والعلاقات التي سادت المجتمع من المهم على هذا الصعيد متابعة تداعيات المواجهة على نظام التحكم الذي كان سائداً من قبيل منظومة التحكم الديني، والسياسي، والاعلامي، والعائلي. يبدو ذلك مدعاة للتساؤل حول مفاهيم الفردية والجمعية في الوقت الذي أعطت فيه المؤشرات الجديدة وإمكانات جديدة بشأن السلوك الغيري والبينذاتي.

 4-التوقف عند نتائج الهوية التقنية للسلوكيات المستجدة، باعتبارها حقيقة ذات نتائج على صعيد خيارات الانسان في علاقته بالمجتمع، وبالمجتمع وبالدولة، وبإزاء الضوابط الناجمة عن تطور التكنولوجيا. والتي تمس بخياراته وبخصوصيته التي تدخل اليها قدرات تقنية في مسبوقة حيث تجد كل الطرق مفتوحة لتكريس هيمنتها على الفعل الإنساني مع تطبيقات الروبوت والتوجيه عن بعد.


هذه الحقيقة نفسها تشكل إضاءة على الفروقات الشاسعة بين الدول والمجتمعات؛ ويرتبط بها تكريس فجوات جديدة على صعيد فرص  التطور والتنمية، ولا بد من التأكيد ان النجاح في المواجهة يصقل قدرات الناجين والرابحين لشرف التكيف  للاستثمار على صعيد التعليم والمعرفة في مواجهة الاستحقاقات التي ستترتب على المرحلة اللاحقة، واعتبارها أساساً لخطة تطوير على صعيد الاقتصاد والتنمية، وضمان الشفافية في موضوع الخدمات من خلال الأنظمة الإلكترونية.

اين نحن من هذه الحقائق:
في تقرير صادم نشرته مجلة اندبندنت العام 2017، أشارت الاحصائيات الى أن 1% من عمالقة الاغنياء في العالم يملكون نصف ثروة الكرة الارضية، وتصل قيمتها الى 106 تريليونات دولار اي ثمانية أضعاف الاقتصاد الاميركي؛ وتزداد الفجوة وعدم المساواة على صعيد العالم بمعدلات مختلفة بين بلد وآخر.

وورد في تقرير CNN ان 1% من البشر يملكون 82% من ثروة العالم بحيث يذهب 80% من كل مئة دولار الى جيوب هؤلاء الاغنياء.

من هنا يأتي السؤال حول إمكانية قبول الحجج عن استعداد العالم لمواجهة التحديات التي تواجهه على مختلف الاصعدة الصحية والبيئية والحقوقية والتعليمية.

الملفت ان جميع الدول بدء من الولايات المتحدة، التي تشهد نقاشاً حول تأمين كلفة مواجهة الكورونا على صعيد الاحتواء، او اللقاح، او تغطية تكاليف الحجر المنزلي، وصولاً الى بلدنا العزيز لبنان الذي يواجه كورونا في ظل مأزق اقتصادي غير مسبوق، مروراً بإيران وغيرها من الدول التي تتشارك الحاجة الى موارد استثنائية.

 بعد 17 تشرين الاول استشرف  لبنان فرصة  للنجاح في التقدم بخطوات لمواجهة التحديات من خلال الانتفاضة برؤية الثورة، لكن الظروف الموضوعية والذاتية التي أجهضت الأمل تنتصب مع المواجهة.
ليس مفاجئًا ان تحظى الكفاءة اللبنانية بميزة مساعدة في المعركة لكن الصورة تكشف اليوم التمايز بين إرادات صادقة لثقافة إنسانية لتحمل المسؤولية، ومواءمة الموقف مع امل معلق على الحكم في النجاح بالمواجهة عل ذلك يعطيه نقاطًا إيجابية في التعامل مع الانهيار، وهو وجه من وجوه المجابهة مع ضمائر اولئك الموبوئين بالجشع والطمع وحب السلطة والصراع من أجل إبقاء لبنان تحت سلطة حكمتهم المذهبية.

يجمع اللبنانيون على ابتلائهم بوباء الفساد والطائفيةلكنهم بمنأى عن معايير  للحكم  على الممارسات والقرارات والسلوكيات تمهيدا لتوحيد الخطاب والخيارات، وبالتالي البحث  في قدرة أهل الحكم على حشد الحد الادنى من الإمكانات؛ مع الإشارة الى ان أهل السياسة يتوزعون بين منشغل بالازمة وبين من هم على مفترق الأزمات لتكريس حضورهم  في عالم القرار ولكل منهم هواجسه ورؤاه  في خيارات المعاناة .

اما بعد، ومع  قبس العدالة الذي يشق مجاهل الأطماع يبقى الأمل بانتصار الارادة الحرة ، الارادة المسلحة بالمعرفة والقيم الإنسانية والعبور الى مناعة جديدة لصهر النفوس بمناعة الموقف السليم وشجاعة التفكير المستقل في المستوى الاستثنائي الذي يتناسب مع اللحظات الحرجة وخشية من عبثية السياسات وهشاشة الشعارات الحزبية والمناطقية .


الى كل الذين تطالهم المعاناة في الصميم، نستعيد حقائق من التجربة  الإنسانية، حيث :
الألم يولد السعادة، العذاب يحفز الارادة الحرة، والظلم يولد العدالة، فمع  امل بشفاء  جميع  المصابين الرجاء بأن يستفاد من هذا الزمن الصعب لتجنب مآس قادمة، والاستفادة من العبر من اجل مجتمع معافى.
 
د. حاتم علامي


الارادة الحرة في مواجهة فيروس الكورونا

يشكل مفهوم الارادة الحرة في بعديها النظري والعملي مفتاحا لتحليل المواجهة الدائرة ضد فيروس وبائي يهدد العالم، وهي مواجهة تتجه الى تبديل الكثير من مفاهيم البشرية واعرافها وتقاليدها وسلوكيات الانسان فيها.

واذا كانت هذه الكورونا، التي انتقلت من الصين لتطال اكثر من مئة دولة بمستويات مختلفة احدثت ارتجاجات في الاستقرار الذي تعيشه، ولاسيما في تلك الدول التي رأت نفسها لوقت طويل في وضع من الاستقرار وخارج نطاق الهلع والعجز، ولاسيما منها دول اوروبا والولايات المتحدة الاميركية وكوريا، فإنها اعلنت التحول الى انماط جديدة في حياة الانسان على الصعيدين الفردي والجماعي للتعامل مع الاخطار المصيرية.

لقد بات واضحا ان كلمة السر في مواجهة الفيروس تتوقف على السلوك الذاتي للافراد، وبناء نوع من التكامل بين الاجهزة الرسمية في الدولة التي تتأهب لإحتواء التداعيات المدمرة للوباء الفتاك، في الوقت التي اظهرت خطط الطوارئ الانماط المختلفة بين بلد وآخر، من حيث العادات والتقاليد والاعراف والمفاهيم، وعلاقة التطبيقات الفردية والجمعية بالقدرة على التكيف مع الاجراءات الاحترازية والوقائية.

تصدر سؤال المسألة الاخلاقية مسرح الاحداث، على المستوى الكلي والجزئي، فمن الواضح ان خير ما يمكن اختياره كمفتاح لكل توليفة السلوكيات، يندرج في اكثر من محور للعلاقات بين الانا والآخر، وعلاقة المجتمع بالسلطة: حيث يمكن ان نتناقش في هذا الصدد:

١-اول ما تبادر الى الاذهان فور انتشار خبر الكورونا في الصين على صعيد الرأي العام او الاحساس الشعبي هو التفتيش عن العلاقة بين الوباء والعوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

فقد تساءل الجميع لماذا الصين: اية روابط بين الفيروس الجديد والتنافس الصيني – الاميركي، في ظل المواجهة القائمة اقتصاديا، وما هي حقيقة الحديث عن هجوم بيولوجي تقف وراءه اميركا.

لم يتوان مسؤولون ايرانيون عن توجيه الاتهام المباشر الى الولايات المتحدة حول اختبار سلاح بيولوجي فتاك ، الامر الذي لم يكن خارج التداول بالنسبة الى بعض المحللين، وبشكل شبه كامل لدى الرأي العام، ولاسيما في البلدان التي تنتابها الخشية والشكوك تجاه السياسات الدولية المنحازة، ولاسيما الولايات المتحدة.

هذه الشكوك اعادت الى الاذهان الاسئلة حول اخلاقية الاعمال، والبواعث الاخلاقية التي تتحكم بخيارات الدول ومراكز الابحاث والعلماء ذوي السلطة والنفوذ في مراكز القرار، فهل تبقى الخيارات وتجاربها ومساراتها تحت سلطة العقل والارادة الخيرة.

٢-كشفت المخاوف المتزايدة، والتطور المرعب، والهلع واقع الدول وحال أجهزة الحكم فيها الحقيقة الاخلاقية الموسومة للانظمة والمرجعيات الرسمية وسلطة القرار، فالاتجاه الذي ترافق مع تطور هذه السياسات يعبر عن الخلفية الاخلاقية، سواء في نوعية ومستوى الاهتمام، أو في الخضوع لاعتبارات اخلاقية نابعة من مفاهيم وقناعات اخلاقية ودينية.

ترافقت ردات الفعل مع احاديث عن خيارات اعتمدت تحت الضغط في بعض الدول تمس بسمعة مراكز القرار والانظمة الطبية في البلد ذاته والمنظومة الاخلاقية بشكل عام.

٣-ينبرى مفهوم الادارة الحرة ليتصدر عملية البحث الشمولي في الازمة – المأزق ككل. نتذكر هنا تحديد “هيغل” للارادة من خلال الدولة باعتبارها غاية يجب التوصل الى تحقيقها، باعتبارها ارادة الارادات للمجتمع المدني والافراد؛ وغايتنا هنا الكشف عن امكان التعامل بين خطة الدولة، وموقف المجتمع، وسلوكيات الافراد.

من الواضح أن هذا التكامل غير متوفر في عشرات الدول، ولنا في لبنان نموذج التنافر بين الدولة والافراد، وافتراق الدولة عن هموم المجتمع واهتماماته، على الرغم من احقية طرح السؤال حول تأثير المرحلة على مستقبل هذا الثالوث.

٤-مفهوم الارادة الحرة يشكل نقطة الارتكاز في كل الدعوات الى ان النتيجة النهائية لتجاوز المأزق وهي تتوقف على سلوكيات الافراد، والتزامهم التوصيات التي تتصل بممارساتهم اليومية، لضمان حصر انتقال الوباء وتمدده، وهنا نصل الى نقطة مهمة تتعلق ببنية العلاقة بين الارادة الحرة والتوجيه العقلي، اي عقلانية الارادة الحرة التي يصبح معها توجيه الافعال جزء من الالتزام الاخلاقي المستند الى ثقافة المعرفة، والادراك، وتحسس المسؤولية.

٥-تظهر صورة الوضع الجديد حال المواجهة المصيرية في المجتمعات، ومفاهيم، وثقافة الافراد المكونين لها. مع المعتقدات التي كانت سائدة، فضلا عن زعزعة أسس العادات التي قامت بين الافراد والجماعات كجزء من الهوية.

فقد طرح المأزق، والمخاوف التي ترافقت معه حول المصير، مسألة الثواب والعقاب والحرية والجبرية، ومسائل القدرية والايمان، الامر الذي نترك للقارئ التوسع في مداه وامتداداته، سيكون في الميدان ايضا مسائل تتعلق بالعلاقة بين الاخلاق والدين، والعلم والايمان، ومستقبل العلاقة بين الحرية والجبرية.

٦-تشكل مرحلة الرعب مجالا زمنيا لإعادة النظر في مفجموعة من الحقائق، وهي ستبرز احكاما قيمية جديدة، وستقلب في المقاربات التقليدية التي كانت سائدة، وستقدم معايير للحكم على مسؤولية الجميع في هذه المرحلة، ولاسيما بالنسبة الى: الدولة ودورها الرعائي والاداري والتنظيمي، مؤسسات المجتمع، ولاسيما منها المؤسسات التعليمية وقدرتها على مواكبة التطورات، علما ان هذه المؤسسات ستكون عرضة للامتحان حول قدرتها على اضاءة الواقع الاجتماعي بالثقافة الصحيحة، وكذلك في ضبط بواعث العاملين فيها، وطلابها للتعاطي بمسؤولية ومهارة لتجاوز المرحلة بأقل خسائر؛ الى الاعلام الذي يشكل صلة الوصل، والمرجعية التي يتعين عليها رفع درجة الاستعداد، مع التشبت بالحقيقة وضمان الوصول الى مصادر موثوقة، مع الارشاد حيث ان ما شهدناه خلال الفترة الماضية، ولاسيما منذ انتفاضة ١٧ تشرين الأول يطرح السؤال حول موضوعية هذه الوسائل وقدرتها على الوصول الى اصحاب الرأي والمحللين الذين يملكون الخبرة والصدقية اللازمة للإضاءة على المعطيات، وتقديم صورة موضوعية عن الواقع، وابراز الخيارات الفضلى.

٧-تطرح المسألة الاخلاقية على التعاطي مع الوباء موضوع اخلاقية الممارسات الطبية، وهو موضوع قديم جديد، ولقد بدأ الحديث عن التحدي المتزايد الذي تواجهه المؤسسات الاستشفائية، وفريق العمل الطبي في التعاطي مع مشكلة النقص في القدرة على مواجهة الضغوط الناجمة عن تصاعد وتيرة الانتشار في الدول ومنها الولايات المتحدة، واذا كانت خيارات الهيئات والفريق في منأى عن النظر، فإن السؤال حولها يبقى قائما. والأمل ان تؤكد التحديات اخلاقية العمل الطبي، وتؤسس لتطوير الالتزامات الانسانية الاخلاقية، مع دفع البحث العلمي لاشواط جديدة من الاكتشافات لمصلحة الانسانية ورفاهية الانسان.

ليس من المناسب في ظروف المآسي استباق النتائج المرجوة باستنتاجات سلبية، وبآراء يصعب الحكم عليها بالنظر الى تعقيدات المرحلة.

الامل يتركز على مجموعة من العوامل وأساسها الامل بالتوصل الى لقاح للفيروس يقضي عليه، ويمنع تجدده في موازاة محاصرته ومنع انتشاره ونتائجه السلبية.

ان البشرية امام تحد مصيري، ونأمل أن لا تصدق تكهنات ذوي الافكار السلبية الذين تنبأوا بمئات ملايين الاصابات وملايين الوفيات؛ أما المجتعات فانها مدعوة لتتجاوز محنتها مع الانتقال الى نمط حياتي جديد، والى خيارات ارادية مبنية على العقلنة والمعطيات العلمية؛ وتعزيز مشاعر الانسانية، والاخلاقيات المشتركة للمساواة والعدالة وتحقيق الخير للجميع.

وفي الوقت الذي تحصد آلة التدمير، وعجلة الحروب الألوف من الضحايا يوميا فإن السؤال يدور حول احتمالات تغيير مفاهيم البغضاء والكراهية والتعصب التي تترافق مع اعمال القتل الهمجي في العالم، خاصة وأن نتائج الحروب وأعمال القتل، ونتائج الممارسات الهمجية تفوق باضعاف نتائج الكورونا؛ لكننا نشك بذلك ونتطلع الى شفاء العالم.

تحت قوس الثقة بأن ارادة البقاء ستنتصر على نتائج الهجمة الفيروسية ، ومع فجر كل يوم سيكون ضوء الإرادة الحرة منارة تنير دروب الأمل وشعلته علماء في المختبرات ، وجامعات ومراكز بحث تستجلي عقل البحث للاكتشافات ، وارادة إنسانية تشع بمعاني الحرية لتنتصر على الخوف ، وتحجر على الكورونا حيث أقامت البشرية عبر تاريخها أماكن لعزل كل الأوبئة والأمراض التي اعترضت سبيلها بحثا عن جماليات الحياة وكينونة الوجود بمعزل عن حماقات الإنسان ، وبعيدا عن الفيروسات والأوبئة التي باتت جزءا من اختبار الانسان لاكتساب حقه بالحياة.

د. حاتم علامي

Scroll to top